محمد سعيد رمضان البوطي
338
فقه السيرة ( البوطي )
مشتركا يضمن الانسجام ، إذ لا يمكن لفكرة الإلحاد والوثنية أن تلتقي مع الحكم والنظام الإسلامي في أي فرع من الفروع ، لقيام التناكر والتخالف بينهم في أعمق الأسس والجذور . 5 - يدلنا ما ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندما مرّ بمنازل ثمود أنه يكره للمسلم أن يدخل ديار الأمم الخالية ممن أهلكهم اللّه بكفرهم أو أن يمر على شيء من آثارهم ، إلا وهو معتبر بحالهم يتأمل في مآلهم يسأل اللّه تعالى العافية والرحمة له وللمسلمين ، إذ هي منازل شهدت مظهرا من غضب اللّه تعالى ، وسجّلت على أطلالها آثارا من ذلك الغضب ، فهي باقية عليها مع الدهر ، ولا ريب أن اللّه عز وجل إنما ترك هذه الآثار في الأرض لتكون عبرة لأولي البصيرة والألباب ، كما أوضح ذلك في كثير من آياته ، فمن الخطأ الكبير أن يمر الإنسان عليها ساهيا لاهيا ، لا يعبأ منها بغير مظهر الشكل أو البناء والنقوش . وكم في الأرض من عبر وعظات من هذا القبيل ، تظل تدوي بلسان حالها على أسماع الناس أن اعتبروا يا أولي الأبصار ، ولكن الناس لا يستمعون منها إلا إلى ما يوسوس إليهم شياطينهم على ألسنتها ، ولا يقبلون منها إلا على مظاهر الفن والقيمة الأثرية والتاريخية ! . . 6 - وعلينا الآن أن نتأمل في الفرق بين سياسته صلى اللّه عليه وسلم مع المنافقين وسياسته مع أصحابه المؤمنين الصادقين . لقد تخلف - كما رأيت - كثير من المنافقين عن هذه الغزوة ، وجاؤوا يعتذرون له صلى اللّه عليه وسلم بشتى الأعذار المختلفة ، ومع ذلك فقد صفح عنهم وقبل علانيتهم ووكل سرائرهم إلى اللّه عز وجل ، وتخلف عدد يسير من المؤمنين من غير ريبة ولا نفاق ، ثم جاؤوا إليه صلى اللّه عليه وسلم لا يصطنعون عذرا ولا كذبا يسألونه العفو والصفح ، ومع ذلك فقد عاقبهم ولم يصفح عنهم ، وقد رأيت مدى قسوة العقوبة التي أنزلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهم ! . . فلماذا ؟ ! . . لماذا اختار مع المنافقين اللين والصفح ، واختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة ؟ ! . . والجواب : أن الشدة والقسوة في هذا المقام مظهر للإكرام والتشريف ، وهو ما لا يستأهله المنافقون ، وكيف يستأهل المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم وعفو اللّه عنهم ؟ ! . ثم إن المنافقين محكوم عليهم - على أي حال - أنهم كفرة ، ولن ينشلهم شيء مما